عبد الله بن أحمد النسفي
61
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيّرة شيئا واحدا فلا « 1 » ، فكذلك لمّا وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة : شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من أطفئت « 2 » ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل ، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق ، والتمثيل الثاني أبلغ لأنّه أدلّ على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخّر ، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ . وعطف أحد التمثيلين على الآخر بأو لأنها في أصلها ، لتساوي شيئين فصاعدا « 3 » كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين « 4 » تريد أنّهما سيان في استصواب أن يجالسا ، وقوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً « 5 » أي الآثم والكفور سيان في وجوب العصيان ، فكذا هنا معناه أنّ كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين ، وأنّ القصتين « 6 » سواء في استقلال كلّ واحدة منهما بوجه التمثيل ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك ، والصيب : المطر الذي يصوّب أي ينزل ويقع ، ويقال للسحاب صيب أيضا ، وتنكير صيب لأنّه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول ، والسماء هذه المظلة « 7 » . وعن الحسن أنّها موج مكفوف ، والفائدة في ذكر السماء - والصيب لا يكون إلّا من السماء - أنه جاء بالسماء معرفة « 8 » فأفاد أنّه غمام أخذ بآفاق السماء ، ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأنّ كلّ أفق من آفاقها سماء ، ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيّب وتركيبه وبنائه ، وفيه دليل على أنّ السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه ، وقيل إنّه يأخذه من البحر ، ويرتفع ظلمات بالجار والمجرور « 9 » ، لأنّه قد قوي لكونه صفة لصيّب ، بخلاف ما لو قلت ابتداء فيه
--> ( 1 ) ليس في ( ظ ) فلا . ( 2 ) في ( ظ ) طفيت ، وفي ( ز ) طفئت . ( 3 ) زاد في ( ز ) في الشك عند البعض ثم استعيرت لمجرد التساوي . ( 4 ) سقط من ( ظ ) الحسن . وابن سيرين : هو محمد بن سيرين ، أبو بكر ، مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر - بلدة تقع غربي الكوفة فتحها خالد بن الوليد عنوة عام 12 ه فسبى نساءها وقتل رجالها ، فمن ذلك السبي سيرين والدة محمد بن سيرين - ولد عام 40 ه ومات عام 110 ه ( الأعلام 6 / 154 ) . ( 5 ) الإنسان : 76 / 24 . ( 6 ) في ( ظ ) معناه أن كيفية القصتين وأن القصتين ، وفي ( ز ) وأن الكيفيتين سواء . ( 7 ) في ( ظ ) المظلمة . ( 8 ) في ( ظ ) أنه مطبق لسماء معرفة . ( 9 ) في ( ز ) من البحر ويرتفع . ظلمات مرفوع بالجار والمجرور .